عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
241
اللباب في علوم الكتاب
قال الجبائيّ « 1 » : المراد من هذا الطبع أنّه تعالى يسم قلوب الكفّار بسمات وعلامات تعرف الملائكة بها أنّ صاحبها لا يؤمن ، وتلك العلامة غير مانعة من الإيمان . وقال الكعبيّ « 2 » : إنّما أضاف الطّبع إلى نفسه ، لأجل أنّ القوم إنّما صاروا إلى ذلك الكفر عند أمره وامتحانه ، فهو كقوله تعالى : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [ نوح : 6 ] وقد تقدّم البحث في مثل ذلك . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 101 ] تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) قوله تعالى : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ . قال الزّمخشريّ : كقوله : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [ هود : 72 ] في كونه مبتدأ وخبرا وحالا يعني أن « تلك » مبتدأ مشار بها إلى ما بعدها ، و « القرى » خبرها ، و « نقصّ » حال أي قاصّين كقوله : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً [ النمل : 52 ] . قال الزمخشريّ « 3 » : فإن قلت : ما معنى « تِلْكَ الْقُرى » حتى يكون كلاما مفيدا ؟ قلت : هو مفيد ولكن بالصّفة في قولك : « هو الرّجل الكريم » يعني أنّ الحال هنا لازمة ليفيد التّركيب كما تلزم الصّفة في قولك : « هو الرّجل الكريم » ألا ترى أنّك لو اقتصرت على « هو الرّجل » لم يكن مفيدا ، ويجوز أن تكون « القرى » صفة لتلك ، و « نقصّ » الخبر ، ويجوز أن يكون « نقصّ » خبرا بعد خبر . و « نقصّ » يجوز أن يكون على حاله من الاستقبال أي : قد قصصنا عليك من أنبائها ونحن نقصّ عليك أيضا بعض أنبائها [ ويجوز أن يكون عبر به عن الماضي ، أي : قد قصصنا عليك من أنبائها ] « 4 » وأشير بالبعد تنبيها على بعد هلاكها وتقادمه عن زمن الإخبار فهو من الغيب ، وأراد القصص المتقدمة . وفي قوله : « القرى » ب « أل » تعظيم كقوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ [ البقرة : 22 ] ، وقول الرسول - عليه الصلاة والسلام : « أولئك الملأ من قريش » ، وقول أمية : [ البسيط ] 2534 - تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا « 5 » و « من » للتبعيض كما تقدّم ؛ لأنّه إنّما قصّ عليه - عليه الصلاة والسلام - ما فيه عظة وانزجار دون غيرهما ، وإنّما قصّ أنباء أهل القرى ؛ لأنّهم اغتروا بطول الإمهال مع
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 152 . ( 2 ) المصدر السابق . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 135 . ( 4 ) سقط من ب . ( 5 ) البيت لأبي الصلت الثقفي والد أمية ينظر : الشعر والشعراء 469 ، العقد الفريد 2 / 23 ، ولأمية بن أبي الصلت في ديوانه ص 52 ، وللنابغة الجعدي ديوانه ص 112 ، شرح المفصل 78 / 104 ، الدر المصون 3 / 312 .